مستجدات
قراءة لحركة النهضة
ياسين العشاري Yacine Laachari

قراءة لحركة النهضة

قراءة لحركة النهضة

مما لا شك فيه أن كل تجربة إنسانية إصلاحية إلا وتكون مرتبطة بسياقات اجتماعية، فكرية وتاريخية محلية، ومتفردة عن غيرها من التجارب الأخرى. وتجربة حركة النهضة في تونس إحدى هذه التجارب المنبثقة من التربة التونسية والناهلة من الرصيد الحضاري الإسلامي. ولا يمكن بأي حال إخراجها من هذه السنن العمرانية البشرية، المتأثرة بالمجال التداولي وظروف النشأة والتطور.
الحركة لها خصوصياتها عن مثيلاتها من الحركات الإسلامية في باقي الأقطار الأخرى، وإذا كان عقد المقارنات بالمنهج المقارن أو المنهج التاريخي المقارن، أمر متاح، بل مستحب لجرد التمايزات ومكامن الالتقاء والاختلاف وتحليلها، وتركيب بعض الخلاصات النظرية، فإن هذه المقارنة يجب أن تكون محصنة من السقوط في فخ الإلصاقات الهشة والتلفيقات المتهافتة.
التجربة الإسلامية التونسية المعاصرة المتمثلة في حركة النهضة، هي رهينة الأوضاع السياسية والثقافية والاقتصادية والسوسيولوجية للقطر التونسي ما بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، إلى مرحلة الإستعمار الفرنسي، إلى مرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة. بالطبع مع الإقرار بكل المشتركات المرجعية التي تتقاسمها مع باقي الحركات الإسلامية من طنجة إلى جاكارتا.
والظاهر أن شروط نشأة ونضج حركة النهضة أقرب إلى الشروط التي استنبتت ونضجت فيها تجربة العدالة والتنمية التركي، من المرور بمرحلة حكم الخلافة العثمانية، إلى امتلاك السلطة من طرف حاكم كاريزمي متبني لعلمانية معادية للقيم المجتمعية للشعبين التركي والتونسي، والحديث هنا عن كمال أتاتورك والحبيب بورقيبة. أما العلاقة مع تجربة الإخوان المسلمين فتقتصر على الإطلاع على الكتابات الفكرية والمذهبيات التربوية لكل من سيد قطب وحسن البنا. في حين يمكن أن نُجمل مكامن الالتقاء مع الحركات الإسلامية المغربية، في التاريخ المغاربي المشترك بين الشعبين ككل، من تطابقات عدة على المستويات الثقافية والمعيشية المرتبطة بتشابه المناخ والجغرافيا المؤثرين في طبيعة الأنشطة الحياتية، مما ينعكس على طباع الناس وأفكارهم، حسب الطرح الخلدوني، ثم مستوى المحضن الديني بوجود تنوع في البلدين، من مدارس التصوف، والسلفية الوطنية الفاعلة في المجال السياسي والعام من خلال مجابهة المستعمر في إطار الحركات الوطنية والمقاومات المسلحة، ثم المدرسة الحركية التي جاءت تفاعلا مع سياق بناء دولة ما بعد الاستقلال، ومدافعة مظاهر الفساد الأخلاقي في المجتمع والسياسي في الدولة، ومناكفة النخب التي بثّها المستعمر في بنية الأنظمة الجديدة لترعى مصالحه، والتي تحولّت إلى الاستبداد خصوصا مع تنامي الصراع على السلطة.
أبناء راشد الغنوشي شأنهم شأن أبناء تونس المعتزين بانتمائهم الحضاري للدين الإسلامي، بعقول منفتحة على التجديد والمقاصدية، نهلوا من معين الثعالبي والطاهر بن عاشور، هذا الأخير الذي جعل من “الحرية” كلية سادسة أضافها إلى الكليات الخمس، وأصل لذلك في “التحرير والتنوير”، فلا استغراب بعد ذلك من أن تنتطلق شرارة ربيع التحرر من أرض تونس.
رعيل من أبناء النهضة مروا من تجربة السجون والتعذيب من أنظمة استبدادية بوليسية، مع كل من بورقيبة وبن علي، كحمادي الجبالي وعلي العريض رئيسا الحكومتين المؤقتتين على التوالي، ومنهم من نجى من هذا المصير وتعايش مع النظام وعلى رأس هؤلاء نجد الشيخ عبد الفتاح مورو. وفئة ثالثة عاشوا في المهجر نتيجة النفي والتضيق عليهم في الوطن، ويأتي على رأسهم الشيخ راشد الغنوشي. هذه الفئة الأخيرة احتكت بالغرب وبثقافته ومدارسه الفكرية وحياته السياسية والمؤسساتية. كل هذا الإرث والتراكم امتزج وأغنى التجربة الإسلامية التونسية.
لدى لابد من استحضار كل هذه المعطيات التاريخية لتحليل موقعة المؤتمر الأخير، وأن تُقرأ مُخرجاته أيضا على ضوء الأوضاع السياسية للبلاد، ما بعد ثورة الياسمين المجيدة، وكل الفترات العسيرة التي مرت منها ولا زالت تمر منها تونس، وأخيرا في ضوء التحديات الكبرى التي تواجهها للإنتقال من حالة الثورة إلى حالة النظام الديمقراطي الحقيقي، القائم على الحرية وكرامة المواطن وأخيرا العدالة الشاملة، وهو شعار المؤتمر : “نريد دولة العدالة”، أما مسألة الفصل بين الدعوي والسياسي فما هو إلا مرحلة قد تكون متأخرة قياسا مع تجارب أخرى، لكنها محكومة بظروف وخصوصية وإكراهات التجربة، لكنها أكيد تبقى محطة من سيرورات المراجعات والتجديد الفكري والتنظيمي الذي هو دأب أبناء التونس والنهضة.





أضف تعليقك من حسابك بالفيسبوك :

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*