مستجدات
رئيس الحكومة وزعيم المعارضة
علي أنوزلا

رئيس الحكومة وزعيم المعارضة

علي أنوزلا

من هو اليوم صاحب أكثر خطاب حدةً في معارضة السلطة في المغرب؟ طبعا سيأتي الجواب السهل بالقول إنهم جماعة العدل والإحسان التي لا تعترف بـ “إمارة المؤمنين”، وحزب النهج الديمقراطي الذي مازال بعض قادته يؤمنون بالنظام الجمهوري. لكن، مهلا، هناك معارض آخر من طراز آخر. معارض من داخل بيت النظام، ومن داخل بنيته، إنه رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أول حزب إسلامي يرأس الحكومة في تاريخ المغرب. 
يقدم بنكيران نفسه على أنه ملكي، ولا يتواني في الدفاع عن الملك والملكية، ولا أحد يشك في ذلك. كما يقدم بنكيران نفسه على أنه إصلاحي مع الإصلاح بالتدرج من الداخل، ولا أحد يجادل في ذلك أيضاً. وأخيراً وليس آخرا، يقدم بنكيران نفسه على أنه أصبح واحداً من أبناء “دار المخزن” التي ترمز إلى دار السلطة الحقيقية والحكم الفعلي في المغرب، ولا أحد أيضاً يمكنه أن يتهمه بالنفاق، في مثل هذا الزعم. 
من غير بنكيران يستحضر، اليوم، في خطاباته تاريخ الانقلابات والمؤامرات السياسية التي عاشها المغرب فجر استقلاله، وكانت تستهدف نظامه الملكي. يفعل ذلك للتذكير والتنبيه والتخويف؟ من غير بنكيران يتغنى بجنة “الاستقرار” التي يعيشها المغرب، ويروج نموذجه “الاستثنائي”، وفي الوقت نفسه، ينبه إلى هشاشة هذا النموذج ومكامن ضعفه، ويحذر، في كل مرة، من انكساره؟ من غير بنكيران يقول اليوم “عاش الملك”، وفي الوقت نفسه، يحذر الملك في كل مناسبة، ومن دون الحاجة إلى أي تشبيه، من مصير بن علي والقذافي؟ 
لكن، تعالوا نسمع بعض تصريحات بنكيران، ولننس لوهلة أنه هو صاحبها. يقول، في أحد تصريحاته، إن الصراع الموجود حالياً في المغرب هو بين تيارين، “تيار يؤمن بالإنسان، وأنه مخلوق مكرم، وأنه يستطيع أن يدبر أموره بنفسه، وتيار آخر يؤمن أن الإنسان لا يستحق الحرية، ويجب أن يضبط حقه حسب إرادته. لذلك، لا بد من التحكم فيه من خلال التحكم في من يمثله، بشكل أو بآخر، والنيابة عنه في تصريف الأمور واتخاذ القرار وتوزيع الثروة، وفي القيام بكل ما يلزم لضبطه، حتى إن تطلب الأمر نوعاً من أنواع القمع أو الإغراء أو الشراء أو الإغراء”. 
تيار “التحكم” هذا يصفه بنكيران بأنه يمثل “الخطر الحقيقي الذي يواجه المغرب، ويواجه الأحزاب السياسية”، بل أكثر من ذلك إنه “تيار يريد تجفيف منابع الإسلام داخل المجتمع”، والقول دائماً لرئيس الحكومة المغربية. 
ويمضي رئيس الحكومة المغربية في توجيه سهام نقده لهذا التيار بالقول “هذا تيار يريد أن يتحكّم في الناس، تيار يعتقد أن المغاربة لم ينضجوا لكي تسودهم الديمقراطية.. تيار لا يهمه لا الشعب، ولا الانتخابات، ولا التصويت، ولا نسب المشاركة والتصويت..”. 
لكن، من هم أصحاب هذا التيار؟ هنا، حتى بنكيران نفسه يكتفي بالتلميح والترميز، مستحضرا سيرة الجنرال محمد أوفقير، وزير الدفاع في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ومدبر انقلابين فاشلين ضد الملك والملكية في المغرب عامي 1971 و1972. وأحياناً أخرى، مستحضراً سيرة إدريس البصري، وزير داخلية الملك الحسن الثاني ربع قرن تصنف اليوم بأنها من أحلك سنوات الجمر والرصاص في المغرب، بسبب القمع الذي كان مسلطاً على معارضي النظام آنذاك. 
وحتى عندما يريد بنكيران أن يتحدث عن أهداف أصحاب هذا التيار “التحكمي”، فهو يلجأ، مرة أخرى، إلى الاستعارة بالقول إن “الملكية هدّدت، وما زالت تهدد، وأقرب الناس الذين هددوها هم أقرب الناس إليها”. ولتنبيه الملكية إلى الخطر المحدق بها، يكتفي بنكيران باستحضار مصير الدكتاتورين، التونسي زين العابدين بن علي والليبي معمر القدافي، عندما يقول: “عندما تنقلب الأمور، سوف تنقلب على الجميع وعلى المغاربة أجمعين.. انظروا ماذا فعل بن علي ببلاده، وماذا ففعل القدافي ببلاده”. 
هل هناك أفصح وأبلغ من هذا الكلام في التنبيه والتحذير؟ هل سبق أن سمعتم رئيس حكومة 

في بلد ديمقراطي يشتكي معاناة حزبه من “تيار متحكّم”، يوجد داخل الدولة وفي قلبها النابض؟ هل رأيتم رئيس حكومة منتخبا ديمقراطياً يدعو أتباعه، وأعضاء حزبه، ويحرضهم على مواجهة ما يصفه هو بـ “تيار التحكم”، قبل أن يصل المغرب إلى ما وصلت إليه سورية؟ 
لطالما اتهمت الأحزاب السياسية المعارضة للحكومة في المغرب بنكيران بأنه يضع رجلا في الحكومة وأخرى في المعارضة. لكن، هل يعقل أن يعارض رئيس حكومة حكومته؟ مرة أخرى، الجواب نجده على لسان بنكيران الذي يصف نفسه بأنه مجرد “رئيس حكومة”، وأن رئيسه الفعلي، وبالتالي رئيس الحكومة، هو الملك. 
لفك رموز هذا اللغز المغربي، لا بد من العودة إلى خلاصة وزير أول مغربي سابق، هو الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي الذي قاد أول تجربة تناوب توافقي على الحكم في المغرب بين عامي 1998 و2002، وبعد خروجه من الحكومة وبعد فوات الأوان، قال في خطاب مكاشفة نادر لتبرير فشل تجربته: “تسلمنا الحكومة، وبقي الحكم في أيادي قوى خفية”. 
لذلك، لفهم ما يجري في المغرب ينبغي التمييز بين الحكومة والحكم. فحائط الحكومة قصير، يمكن لكل متدرب على الرماية أن يصوّب سهامه نحوه. أما قلعة الحكم فالقليلون هم الذين يجرؤون على الاقتراب من أسوارها العالية، وبالأحرى تصويب رماحهم صوبها. وبنكيران نجح، بدهائه السياسي، في أن يقحم حصانه داخلها، ويصوّب رماح نقده لقلبها متحصناً بقربه منها. 
نجاح بنكيران في أن يكون رئيساً للحكومة وزعيماً للمعارضة، في الوقت نفسه، يستمده من ضعف خصومه في المعارضة الحكومية، ومن تشتت منافسيه الحقيقيين في معارضة الحكم. وأمام كلا الخصمين، تكمن قوة الرجل وضعفه. فهو عندما يكون ضعيفاً كرئيس حكومة يصبح قويا كزعيم للمعارضة، ولا يعني هذا، بالضرورة، أن العكس يكون دائماً صحيحاً. 





أضف تعليقك من حسابك بالفيسبوك :

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*